الشيخ محمد رشيد رضا
153
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في الدنيا بالعبودية لغيرهم وغير ذلك من آثار انحطاطهم ، وعذابهم في الآخرة وحرمانهم من نعيمها ، لا يكون بظلم من اللّه عز وجل لهم ، ونقصه إياهم شيئا من ثواب أعمالهم ، وانما يكون بنقصان درجات أعمالهم ، وعجزها عن العروج بأرواحهم ، بل بتدسيتها لنفوسهم ، لتزكيتهم إياها بالقول الباطل دون الفعل « وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا » * كدرجات الحرارة في ميزانها ودرجات الرطوبة في ميزانها ، فما كل درجة من الأولى يغلي بها الماء ، ولا كل درجة منها يكون بها جليدا ، ولا كل درجة من الثانية ينزل بها المطر ، وكدرجات امتحان طلاب العلوم في المدارس ، أو الأعمال في الحكومة لا ينال الفوز الا بالدرجات العلى المحدد أدناها وأعلاها بالحكمة والآية تدل على أن اللّه تعالى يجزي كل عامل خير بعمله وان كان مشركا لأن لعمله أثرا في نفسه يكون مناط الجزاء فإذا لم يصل تأثير عمل المشرك إلى الدرجة التي تكون بها النجاة من العذاب البتة فان عمله ينفعه بكون عذابه أقل من عذاب من لم يعمل من الخير مثل عمله ، مثال ذلك في الدنيا رجلان يشربان الخمر أحدهما مقل والآخر مكثر فضرر المكثر يكون أكبر من ضرر المقل ، وآخران متساويان في الشرب ولكن بنية أحدهما قوية تقاوم الضرر ان يفتك بالجسم وبنية الآخر ضعيفة لا تستطيع المقاومة فان ضرر هذا من الشرب يكون أشد من ضرر ذاك . كذلك الروح القوية السليمة الفطرة الصحيحة الايمان المزكاة بالعمل الصالح لا تهبط بها السيئة الواحدة والسيئتان إلى درجة الأشرار الفجار فتجعلها شقية مثلهم بل يغلب خيرها على الشر الذي يعرض لها فيزيله أو يضعفه حتى يكون ضررها غير مهلك ، ومنه تعلم أن بعض المؤمنين الصالحين قد يعذب في الدنيا والآخرة بذنبه ولكنه لا يكون من الهالكين الخالدين والعبرة بهذه الآية وما قبلها للمسلمين هي وجوب اتقاء ما هم عليه من الغرور بدينهم كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل وما قبله وما بعده بقرون ، واتقاء مثل ما كانوا عليه من تزكية أنفسهم بالقول واحتقار من عداهم من المشركين الذي انجرّ إلى احتقار المسلمين عند ظهور الاسلام حتى كانت عاقبة ذلك الغرور